عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
132
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
الباب التاسع والثلاثون : في نزول الحق جل جلاله إلى سماء الدنيا في الثلث الأخير من كل ليلة ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه ينزل في الثلث الأخير من كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول هل هل ؟ » « 1 » الحديث يدل بإشارته إلى ظهور الحق سبحانه وتعالى في كلّ ذرّة من ذرّات الوجود ، فالمراد بالليلة هي الظلمة الخلقية ، والمراد بسماء الدنيا ظاهر وجود الخلق ، وبالثلث الأخير حقيقته ، لأن كل شيء من أشياء الوجود مقسم بين ثلاثة أقسام : قسم ظاهر ويسمى بالملك ، وقسم باطن ويسمى بالملكوت والقسم الثالث هو المنزّه عن القسم الملكي والملكوتي فهو القسم الجبروتي الإلهي المعبر عنه بالثلث الأخير بلسان الإشارة في هذا الحديث . ولا انقسام لأن الشيء الواحد إذا اعتبرت عدم انقسامه لا بد أن تتعقل له ظاهرا وهو صورته ، وباطنا وهو نفسه ، ولا بد أن يكون له حقيقة يقوم بها ، فظهرت الإشارة بالثلث الأخير ، فتنزّل الحق هو ظهوره بتنزيهه في نفس التشبيه الخلقي ولهذا الحديث اعتبار آخر بإشارة أخرى أعلى من هذه الإشارة الأولى وذلك أن تعلم أن المراد بالثلث الأخير هو الصفة الإلهية التي تجلى بها على عبده ، فحقيقة ظهور الذات إنما هو في أواخر تلك الصفة لا في مبديها ولا في أوسطها ، وهذا أمر ذوقي لا يعرف إلا بالكشف ، أعني ظهور الذات في أواخر ظهور الصفة ، ولا انتهاء لشيء من الصفات ، وهذا الانتهاء هو حكم الذات ، فظهرت الذات في الثلث الأخير ليلة الصفات ، وقوله : إلى السماء الدنيا يعني إلى صفاته التي عرفه بها خلقه في الأسماء وهم الدنيا ، لأن له الصفات العلا ، وهم لهم العبودية ، فهي الدنيا من الدناءة ، وأسماؤه هي سماؤه الدنيا التي قامت بها عبوديتهم . فالحاصل من هذه الاعتبارات أن الحق سبحانه وتعالى يظهر على عباده في صفاته التي عرفوه بها عند تناهي ظهور تلك الصفات ؛ يعني أنهم قبل كمال ظهور تلك الصفة معها لا معه ، فإذا أخذت في تناهي الظهور كانوا مع ذاته لا مع صفاته فافهم . ولهذا الحديث إشارة أخرى بطريق السرّ وهي في حق الكمل ، وذلك إذا علمت أن المراد بالليلة الذات الإلهية ، وبالثلث الأخير كمال المعرفة الجائزة للذات ، لأن للحق تعالى معرفتين : معرفة يجوز أن يدرك كمالها ، ومعرفة لا يجوز أن يدرك كمالها ، وقولي إن كمال المعرفة الجائزة هو المراد بالثلث الأخير ، لأن للولي ثلاث
--> ( 1 ) مسلم في : صلاة المسافرين ( 169 ) ، والترمذي ( 329 و 446 ) ، وشرح السنة 4 / 63 .